محمد بن وليد الطرطوشي

443

سراج الملوك

إسماعيل وهي ترضعه ، حتى وضعها عند البيت ، عند دوحة « 1 » فوق زمزم في أعلى المسجد ، وليس بمكة يومئذ أحد ، وليس بها ماء ، فوضعها هنالك ، ووضع عندها جرابا فيه تمر وسقاء فيه ماء ، ثم قفّى « 2 » إبراهيم منطلقا ، فتبعته أمّ إسماعيل ، فقالت : يا إبراهيم ، أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي ، ليس فيه أنيس ولا شيء ؟ قالت ذلك مرارا ، وجعل لا يلتفت إليها ، فقالت له : آلله أمرك بهذا ؟ قال : نعم ، قالت : إذن لا يضيّعنا . ثم رجعت . فانطلق إبراهيم حتى إذا كان عند الثّنية « 3 » - حيث لا يرونه - استقبل البيت بوجهه ، ثم دعا بهؤلاء الدعوات ، ورفع يديه فقال : رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ [ إبراهيم : 37 ] - حتى بلغ - يَشْكُرُونَ . وجعلت أمّ إسماعيل ترضع إسماعيل ، وتشرب من ذلك الماء ، حتى إذا نفذ ما في السقاء عطشت وعطش ابنها ، وجعلت تنظر إليه يتلوى ، فانطلقت كراهية أن تنظر إليه فوجدت ( الصفا ) أقرب جبل في الأرض يليها ، فقامت عليه ، ثم استقبلت الوادي هل ترى أحدا ؟ فلم تر أحدا ، ثم سعت سعى الإنسان المجهود ، حتى جاوزت الوادي ، ثم أتت ( المروة ) فقامت عليها فنظرت هل ترى أحدا ؟ فلم تر أحدا . ففعلت ذلك سبع مرات . قال ابن عباس قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « فلذلك سعى الناس بينهما » فلما أشرفت على المروة سمعت صوتا ، فقالت : صه « 4 » - تريد نفسها « 4 » - ثم تسمّعت فسمعت أيضا ، فقالت : قد أسمعت إن كان عندك غواث « 5 » ، فإذا هي بالملك عند موضع زمزم ، فبحث بعقبه - أو قال : بجناحه - حتى ظهر الماء فجعلت تحوّضه « 6 » ، وتقول بيدها هكذا « 7 » ، وجعلت تغرف من الماء في سقائها ، وهو يفور بعد ما تغرف .

--> ( 1 ) الدوحة : الشجرة العظيمة وجمعها الدوح . ( 2 ) قفى الرجل : أي ولاك قفاه راجعا عنك . ( 3 ) الثنية : الطريق في العقبة وقيل : المرتفع من الأرض . ( 4 ) صه : اسكت ، ومعنى تريد نفسها : أي تسكّت نفسها لتتحقق الأمر . ( 5 ) الغواث والغواث : المعونة والنجدة . ( 6 ) تحوّضه : اى تجعل له حوضا يجتمع فيه الماء . ( 7 ) هذا القول من باب إطلاق القول على الفعل .